واصف جوهرية
145
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
الحمام في بيت المقدس لم يكن حمامين ( أو بانيات أو كيزر ) في أي من بيوت أهل مدينة القدس سوى عند بعض العائلات المعروفة فتجد غرفة صغيرة وفيها جرن صغير من الحجم وفي أرضها مصرف للمياه القذرة كما رأيتها في بيت الحاج سليم الحسيني منذ حداثتي . أما الطريقة التي كانت تغتسل فيها الناس هي بواسطة الحمامين العمومية في البلد . فكان حمام العين في محلة الواد المشهور ليومنا هذا وفيه الحمامجي نعمان غنام طويل القامة أسمر اللون قوي البنية فكان موصوفا بمشاكل الجبر والكسر يضاري الأطباء وله حوادث طريفة في هذا الفن . ثم حمام البطرك الواقع في محلة حارة النصارى والتابع إلى الأوقاف الإسلامية بالقدس كان يأخذ اللازم من المياه من بركة البطرك التي لم تزل واقعة بجوار هذا الحمام ومن حولها بنايات عديدة مثل قهوة أبي عبد اللّه ، خان الأقباط ، إلى أن تصل فندق أمدورسكي جهة سويقة علون . وإني علمت بأن بركة مأمن اللّه الواقعة في مقبرة مأمن اللّه خارج باب الخليل عندما تمتلي من مياه الأمطار لها قناة خاصة قديمة تتصل إلى بركة البطرك ولم تزل موجودة هذه القناة ليومنا هذا وقد شاهدتها بأم عيني . أما الحمامجي لحمام البطرك فكان الحاج سليم البيطار من أهالي القدس المسلمين وقد هدم مؤخرا هذا الحمام وأصبح محلا للتجارة . إن سليم البيطار هو والد عمران ومحمود وعرفات أصدقائنا . ثم أقامت البطريركية الأرثوذكسية حماما حديثا ملاصقا لدير وكنيسة القديسين يواكيم وحنة وبجانب باب الأسباط من داخل السور وسمي بحمام ستنا مريم العذراء ، وأصبح الأول بين حمامين القدس من حيث التنظيم والنظافة وكبر الغرف . كانت ولم تزل العادة المتبعة عند أهالي بيت المقدس أن للرجال الحق بالذهاب إلى الحمام عند المساء وطول الليل ثم في الصباح إلى الظهر من كل يوم ، وكثيرا ما كانت الرجال تقضي الليالي وحتى النوم في الحمام . واعتبارا من بعد ظهر كل يوم يكون الحق للنساء فقط وهناك العقائد فكانوا عندما يذهبون ليغسلوا أجسامهم يأخذون معهم ما هب ودب من أنواع الأكل والحلوى والفاكهة والخضار والنقرشة وكأنهم في منتزه أو شطحة . مع أمي في الحمام وهكذا أذكر وأنا صغير ذهبت ووالدتي إلى حمام العين أو حمام الواد كما كانوا يسمونه . وعندما دخلت فقبلتني صاحبة الحمام بعد ما دفعت والدتي عني متليكين أجرة ، ولكن حدث ويا للأسف ثورة مع الزبائن من النساء اللواتي كن شبيها بالعراء بأنني كبير ولا يسمح لي بأن أستحم مع النساء وهكذا البعض يقول يوه أطيشه ما هو صغير ! والبعض الآخر يقول اسم اللّه بإستهزاء شو صغير واللّه كبير ونتفه ! وأنا واقفا مكسوفا لم أستطع الهرب لأن والدتي قابضة على يدي بقوة ، وأخيرا نجحت في الامتحان وعفي عني . . وبقيت ( ويا ليتني ما نجحت ) لأنه عندما جاء دور إغتسالي وحيث أن مياه القدس شحيحة في الآبار فكانت النساء عندما يدخلون الحمام يتكارمون بصب الماء على أجسامنا